فصل: مناسبة الآية لما قبلها:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الحاوي في تفسير القرآن الكريم



وقال: ومدة الإخوان أن لا تكون لرجاء منفعة، أو لدفع مضرة؛ ولكن لصلاح فيه، وطباع له.
وقال: أفضل ما في الإنسان من الخير العقل، وأجدر الأشياء أن لا يندم عليه صاحبه، العمل الصالح، وأضل ما يحتاج إليه في تدبير الأمور الاجتهاد، وأظلم الظلمات الجهل، وأوثق الإسار الحرص.
وقال: من أفضل البر ثلاثة: الصدق في الغضب، والجود في العسرة، والعفو عند المقدرة.
وقال: من لم يعرف عيب نفسه؛ فلا قدر لنفسه عنده.
وقال: الفصل بين العاقل والجاهل: أن العاقل منطقه له، والجاهل منطقه عليه. وقال: لا ينبغي للعاقل أن يستخف بثلاثة أقوام: السلطان، والعلماء، والإخوان؛ فإن من استخف بالسلطان أفسد عليه عيشه، ومن استخف بالعلماء أفسد عليه دينه، ومن استخف بالإخوان أفسد عليه مروءته..
وقال: الاستخفاف بالموت أحد فضائل النفس. وقال: المرء حقيق له أن يطلب الحكمة ويثبتها في نفسه أولًا؛ بان لا يجزع من المصائب التي تعم الأخيار، ولا يأخذه الكبر فيما يبلغه من الشرف، ولا يعير أحدًا بما هو فيه، ولا يغيره الغنى والسلطان، وأن يعدل بين نيته وقوله حتى لا يتفاوت، وتكون سنته ما لا عيب فيه، ودينه ما لا يختلف فيه، وحجته ما لا ينتقض.
وقال: أنفع الأمور للناس القناعة والرضى، وأضرها الشره والسخط؛ وإنما يكون كل السرور بالقناعة ر، وكل الحزن بالشره والسخط.
ويحكى عنه فيما كتبه: أن أصل الضلال والهلكة لأهله أن يعد ما في العالم من الخير من عطية الله عز وجل ومواهبه؛ ولا يعد ما فيه من الشر والفساد من عمل الشيطان ومكايده، ومن افترى على أخيه فرية لم يخلص من تبعتها حتى يجازى بها؛ فكيف يخلص من أعظم الفرية على الله عز وجل: أن يجعله سببًا للشرور وهو معدن الخير؟.
وقال: الخير والشر أصلان إلى أهلمها لا محالة؛ فطوبى لمن جرى وصول الخير إليه وعلى يديه، والويل لمن جرى وصول الشر إليه وعلى يديه.
وقال: الإخاء الدائم الذي لا يقطعه شيء اثنان: أحدهما محبة المرء نفسه في أمر معاده، وتهذيبه إياها في العلم الصحيح والعمل الصالح؛ والآخر مودته لأخيه في دين الحق؛ فإن ذلك مصاحب أخاه في الدنيا بحسده، وفي الآخرة بروحه.
وقال: الغضب سلطان الفظاظة، والحرص سلطان الفاقة؛ وهما منشئا كل سيئة، ومفسدا كل جسد، ومهلكا كل روح.
وقال: كل شيء يطاق تغييره إلا الطباع، وكل شيء يقدر على إصلاحه غير الخلق السوء، وكل شيء يستطاع دفعه إلا القضاء.
وقال: الجهل والحمق للنفس بمنزلة الجوع والعطش للبدن؛ لأن هذين خلاء النفس، وهذين خلاء البدن.
وقال: أحمد الأشياء عند أهل السماء والأرض لسان صادق ناطق بالعدل والحكمة والحق في الجماعة. وقال: أدحض الناس حجة من شهد على نفسه بدحوض حجته.
وقال: من كان دينه السلامة والرحمة والكف عن الأذى فدينه دين الله عز وجل؛ وخصمه شاهد له بفلج الحجة، ومن كان دينه الإهلاك والفظاظة والأذى فدينه دين الشيطان؛ وهو بدحوض حجته شاهد على نفسه.
وقال: الملوك تحتمل الأشياء كلها إلا ثلاثة: قدح في الملك، وإفشاء للسر، والتعرض للحرمة. وقال: لا تكن أيها الإنسان كالصبي: إذا جاع ضغا ولا كالعبد: إذا شبع طغى، ولا كالجاهل: إذا ملك بغى.
وقال: لا تشيرون على عدو ولا صديق إلا بالنصيحة؛ فأما الصديق فتقضي بذلك من واجبه حقه، وأما العدو فإنه إذا عرف نصيحتك إياه هابك وحسدك، وإن صح عقله استحى منك وراجعك.
وقال: يدل على غريزة الجود السماحة عند العسرة، وعلى غريزة الورع الصدق عند الشرة، وعلى غريزة الحلم العفو عند الغضب.
وقال: من سره مودة الناس له، ومعونتهم إياه، وحسن القول منهم فيه: حقيق بأن يكون على مثل ذلك لهم.
وقال: لا يستطيع أحد أن يحوز الخير والحكمة، ولا أن يخلص نفسه من المعايب: إلا أن يكون له ثلاثة أشياء: وزير، وولي، وصديق؛ فوزيره عقله، ووليه عفته، وصديقه عمله الصالح. وقال: كل إنسان موكل بإصلاح قدر باع من الأرض؛ فإنه إذا أصلح قدر ذلك الباع صلحت له أموره كلها، وإذا أضاعه أضاع الجميع؛ وقدر ذلك نفسه.
وقال: لا يمدح بكمال العقل من لا تكمل عفته، ولا بكمال العلم من لا يكمل عقله. وقال: من افضل أعمال العلماء ثلاثة أشياء: أن يبدلوا العدو صديقًا، والجاهل عالمًا، والفاجر برًا.
وقال: الصالح من خيره خير لكل أحد، ومن يعد خير كل أحد لنفسه خيرًا.
وقال: ليس بحكمة ما لم يعاد الجهل، ولا بنور ما لم يمحق الظلم، ولا بطيب ما لم يدفع النتن، ولا بصدق ما لم يدحض الكذب، ولا بصالح ما لم يخالف الطالح. اهـ.

.بحث بعنوان: إبراهيم عليه السلام والكواكب:

للشيخ محمود غريب
واصل إبراهيم الخليل صلّ يا ربّ عليه وآله وبارك وسلّم رحلته في الدعوة ورسم منهجه لتسامي الفكر البشري. ونجح في انتزاع الاعتراف من قومه بأنّ الأصنام لا تنطق. فهي لا تستحق العبادة.
بعد ذلك بدأ رحلته الثانية مع الكواكب في الّسّماء.
والآن مع الرحلة الثانية {فلمّا جنّ عليه الليل رأى كوكبا قال هذا ربي فلما أفل قال لا أحب ألآفلين}- 76- الأنعام.
لما انتهى إبراهيم صلّ ياربّ عليه وآله وبارك وسلّم من الذين يعبدون الأصنام تفرغ للذين يعبدون الكواكب.
فلما ستره الليل بظلامه وسطع فيه كوكب لامع سأل إبراهيم الذين يعبدون الكواكب... هذا ربي!
{فلما أفل قال لا أحب الآفلين}.
وكلمة لا أحب ألآفلين: تبين طبيعة ألإيمان في نفس إبراهيم صلّ ياربّ عليه وآله وبارك وسلّم إن العلاقة بين العبد وربه هي الحب فإذا انتفى الحب انتفت حلاوة العبادة.
لأن العبادة ظلال للحب في قلوب العارفين.
{فلّما رأى القمر بازغا قال هذا ربي}.
كرر التجربة مع القمر ليتسامى بالعقل البشري إلى ما هو أكبر- في نظرهم- وأوضح في حياتهم.
{فلما أفل قال لئن لم يهدني ربي لأكونن من القوم الضالين}- 77- الأنعام. وحتى لانخطيء فهم القرآن أحب أن أوضح معنى الهداية التي يطلبها إبراهيم صلّ ياربّ عليه وآله وبارك وسلّم في هذه الآية:- إنها العون من الله على فعل الخير ومواصلة الطريق.
والهداية لها معنيان:
أولا:- الإرشاد إلى الخير والدلالة عليه.
وهذه قد منّ الله بها على إبراهيم فعرّفه به قبل أن يجند حياته لدعوة الناس إلى الله تعالى.
ثانيا:- هداية التوفيق والعون من الله.
وهذه هي الهداية التي طلبها إبراهيم من ربه وهو في وسط الطريق.
{فلما رأى الشمس بازغة قال هذا ربي هذا أكبر فلما افلت قال ياقوم إني بريء ممّا تشركون}- 78- الأنعام.
هنا نهاية الطريق أمامهم. فهم لا يعرفون أكبر من الشمس في الكواكب فإذا أفلت كغيرها فليس بين الكواكب ما يستحق العبادة.
إنه منهج الخليل في الحوار.
لم يعبد غير ربه لحظة واحدة.
ولكنّه كتم عقيدته حتى يترفق بالناس.
وأؤكد هذا الفهم بالأدلة الآتية:
أولا: إن الحديث عن الكواكب جاء بعد الحديث عن الأصنام:
قال تعالى: {وإذ قال إبراهيم لأبيه آزر أتتخذ أصناما آلهة إني أراك وقومك في ضلال مبين}- 74- الأنعام.
ومعلوم أن الحديث عن ألأصنام يدل على معرفة كاملة بالله تعالى.
ثانيا: الحديث عن النجوم جاء بعد أن أطلع الله تعالى إبراهيم على ملكوت السماوات والأرض.
قال تعالى في الآية- 75- من سورة الأنعام: {وكذلك نري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض وليكون من الموقنين}.
فكيف يتصور من إبراهيم عليه السلام الشك؟
وقد رأى- بعين اليقين- ملكوت السموات والأرض.
{إني وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض حنيفا وما أنا من المشركين} [79- الإنعام].
أجل:- إن إبراهيم ليس مشركا لكنه معلّم.
فهو يذكر عقيدة الخصم ثم يرتب عليها المستحيل ليثبت بطلانها وهذه الطريقة من أرقى طرق الجدل الحديث.
إن إبراهيم ليس مشركا ولا شاكا في الله لأنه أجرى حواره على أمثلة ثلاثة فقط هي: الكوكب، القمر، الشمس.
ثم اصدر حكما عاما ينطبق على كل شيء في الوجود فقال: {إني وجهت وجهيّ للذي فطر السموات والأرض حنيفا}.
فكيف يبني حكما عاما على استقراء ناقص.
الحق إن إبراهيم قصد بهذا الحوار العظيم تعليم بطلان عبادة النجوم مع علمه السابق بعظمة الله رب العالمين.
وبعد: إن بقايا عبادة النجوم لم تزل في قلوب بعض الناس فما زلنا نرى من الناس- حتى من المسلمين- من يحسب النجم ليطمئن على مستقبله ومن يدرس النجوم ليتعرف على المغيبات.
ولمّا كان ذلك من بقايا عبادة النجوم وهي شرك حرمّها الإسلام وبشدة وسفّه عقول من يعتقد بها.
فلا الكواكب والنجوم ولا العقول العشرة التي آمن بها الفلاسفة ولا الصالحون من البشر تغني عني من الله شيئا لأن الله وحده فعّال لما يريد قال تعالى: {وإن يمسسك الله بضر فلا كاشف له إلا هو وإن يردك بخير فلا راد لفضله يصيب به من يشاء من عباده وهو الغفور الرحيم}- 107- يونس.
فراقب قلبك، فإذا شعرت بأن غير الله ينفع أو يضر، فقلبك يحتاج إلى علاج.
أقول ذلك:... حتى لا نخطئ فهم القرآن. اهـ.

.تفسير الآية رقم (80):

قوله تعالى: {وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ قَالَ أَتُحَاجُّونِّي فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدَانِ وَلَا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبِّي شَيْئًا وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ (80)}

.مناسبة الآية لما قبلها:

.قال البقاعي:

ولما أبدى هذه الأدلة في إبطال الضلال بالكواكب والشمس التي هي أوضح من الشمس، عطف عليها الإخبار بأنهم لم يرجعوا إليه بل حاجوه، فقال: {وحاجه قومه} بأنهم لا ينفكون عن عبادتها لأنهم وجدوا آباءهم كذلك، وأنه إن لم يرجع عن الكلام فيها أصابته ببعض النوازل، وذلك من أعظم التسلية لهذا النبي العربي الكريم عليه أفضل الصلاة والتسليم.
ولما كان من المعلوم أن محاجتهم- بعد هذه الأدلة الواضحة في غاية من السقوط- سفلت عن الحضيض، نزه المقام عن ذكرها، إشارة إلى أنها بحيث لا يستحق الذكر، وبين جوابه لما فيه من الفوائد الجمة بقوله: {قال} أي بقول منكرًا عليهم موبخًا لهم: {أتحاجوني} وصرح باسم الرب العلم الأعظم في قوله: {في الله} أي شيء مما يختص به المستجمع لصفات الكمال لاسيما التوحيد {وقد} أي والحال أنه قد {هدان} أي أرشدني بالدليل القطعي إلى معرفة كل ما يثبت له وينفى عنه، أي لأنه قادر، فبين أنه تعالى قد أحسن إليه، فهو يرجوه لمثل ذلك الإحسان، ويخافه من عواقب العصيان، لأن من رُجي خيره خيف ضيره، ومن كان بيده النفع والضر والهداية والإضلال فهو من وضوح الأمر وظهور الشأن بحيث لا توجه نحوه المحاجة، وأتبعه بيان أن معبوداتهم مسلوب عنها ما يوجه إليه الهمم، فقال عاطفًا على ما تقديره: فأنا أرجوه وأخافه لأنه قادر: {ولا أخاف ما تشركون به} ولا أرجوه لهداية ولا إضلال ولا غيرهما لأنه عاجز، فأثبت لله القدرة بالهداية لأنها أشرف، وطوى الإضلال لدلالتها ودلالة ما نفي في جانب الشركاء عليه، وأثبت لآلهتهم العجز بنفي الخوف المستلزم لنفي القدرة على الضر.
وذلك دال على أن الله تعالى أهل لأن يخاف منه.
كل ذلك تلويحًا لهم بأن العاقل لا ينبغي له أن يخالف إلاّ من يأمن ضره، فهم في مخالفتهم لله في غاية من الخطر، لا يرتكبها عاقل، والآية من الاحتباك.
ولما نفى عن نفسه خوف آلهتهم أبدًا في الحال والاستقبال، وكان من الأمر البين في الدين الحق أنه لا يصبح الإيمان إلاّ مع الإقرار بخفاء العواقب على العباد وإثبات العلم بها لله تسليمًا لمفاتيح الغيب إليه، وقصرها عليه؛ قال مستثنيًا من سبب النفي، وهو أنها لا تقدر على شيء: {إلا أن يشاء ربي} المحسن إليّ في حال الضر كما هو محسن في حال النفع {شيئًا} أي من تسليطها بأنفسها أو باتباعها، لأنه قادر على ما يريد، فإن أراد أنطق الجماد وأقدره، وأخرس الناطق الفصيح وأعجزه، فأنا لا أخاف في الحقيقة غيره.
ولما كان هذا في صورة التعليق، وكان التعليق وما شابهه من شأنه أن لا يصدر إلاّ من متردد، فيكون موضع إطماع للخصم فيه، علله بما أزال هذا الخيال فقال: {وسع ربي كل شيء علمًا} أي فأحاط بكل شيء قدرة، فهو إذا أراد إقدار العاجز أزال عنه كل مانع من القدرة، وأثبت له كل مقتض لها، وذلك ثمرة شمول العلم- كما سيأتي برهانه إن شاء الله تعالى في سورة طه، فالمراد أني ما تركت الجزم لشك عندي، وإنما تركته لعدم علمي بالعواقب إعلامًا بأن تلك رتبة لا تصلح إلاّ لله الذي وسع علمه كل شيء، وأدل دليل على هذا اتباعه له بإنكاره عليهم عدمَ الإبلاغ في التذكر بقوله مظهرًا تاء التفعل إشارة إلى أن في جبلاتهم أصل التذكر الصاد عن الشرك: {أفلا تتذكرون} أي يقع منكم تذكر، فتميزوا بين الحق والباطل بأن تذكروا مآلكم من أنفسكم بأن من غاب عن مربوبه فسد أو كاد، وأن هذه الجمادات لا تنفع ولا تضر، وأنها مصنوعكم. اهـ.